العربية.. لغة الدين والدنيا

 هناك حقيقة لغوية يؤيدها الواقع ويؤكدها التاريخ، وهي ارتباط اللغة –أي لغة- بحضارة أصحابها: اللغة والحضارة يتناسبان تناسباً طردياً؛ هذا يعني ببساطة أن اللغة ظاهرة اجتماعية تعيش مع الإنسان جنباً إلى جنب، تضعف بضعفه، وتنمو وتزدهر بنموه وازدهاره.  

 ولغتنا العربية تعد مثلاً لهذا في عصورها المختلفة، فقد كانت لغة بسيطة في بداية أمرها عندما كان المجتمع العربي نفسه لا يملك من مقومات الحضارة إلا الشيء القليل، حتى جاء الإسلام اتسعت هذه اللغة واحتوت كل العلوم والمضامين التي جاء الإسلام بها.

 ميزة اللغة العربية الفريدة:

وللغة العربية ميزة فريدة هي: شرف نزول القرآن الكريم بها على الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، أفصح العرب قاطبة، فحفظها وحفظته.

هذا التشريف هو ما أنزلها منزلة سامية لدى كل من ارتضى الإسلام ديناً. ووصلت بطريقة أو بأخرى إلى باكستان، وأفغانستان، وبعض مقاطعات الاتحاد السوفييتي، والهند وماليزيا. كما استقرت في مناطق أخرى في أفريقيا وأوروبا، وفي العصور الحديثة أتيح للغة العربية أن تحتك باللغات الأوروبية، فتأثرت وأثرت بهذه اللغات عن طريق الترجمة، والبعثات، والمبادلات المختلفة.

 لقد وعى العرب والمسلمون أهمية لغتهم، وارتباطها بالقرآن الكريم، فبادروا بدراستها، والحفاظ عليها، فما أن رأوا شيوع اللحن نتيجة لاختلاط الناطقين بها بغيرهم من العجم في البلدان المفتوحة، حتى سارعوا بضبط المصحف كما فعل أبو الأسود الدؤلي، ووضع علم النحو، وتقعيد القواعد بطريق الرواية والمشافهة عن الأعراب الخلّص، فلم يقبلوا من فسد لسانه للأخذ عنه، لمجاورته العجم أو اتصاله بهم من القبائل. أقول: إن الدافع الديني كان من الأسباب – إن لم يكن السبب الوحيد - التي حدت بالعرب إلى قيامهم بعملهم هذا، وإن الحرص على الفصحى لغة القرآن الكريم هو الذي جعل العرب والمسلمين يقفون صفاً واحداً ينافحون عنها ويبعدون عنها كل شائبة. ولذات السبب أيضاً رأينا اللغويين في عصور الازدهار الإسلامي يؤلفون المؤلفات، ويخطون الرسائل في خدمة العربية، فها هو أبو منصور الثعالبي النيسابوري يقول في مقدمة كتابه فقه اللغة وسر العربية: (من أحب الله - تعالى - أحب رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم -، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب، على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عُني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعايش والمعاد. ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء، والزند للنار..)

 قوة اللغة بقوة أصحابها:

 لقد كانت اللغة العربية قوية أيام قوة أصحابها، ورهبة الأعداء من المساس بالمسلمين بأي أذى، أما عندما تفككت الوحدة، وفتّ من عضد الدولة الإسلامية، تآمرت الدول الحاقدة عليها، وبدأت تنهش جسدها المنهوك. حدث هذا زمن الحملات الصليبية، وكذلك ما عانته الأقطار الإسلامية على يد الاستعمار الحديث. لقد جثم هذا الاستعمار طويلاً على صدر المسلمين، وكان يهدف –من بين أهدافه الخبيثة- طمس اللسان العربي، وبذلك يحول بين المسلمين ودينهم المدون بهذا اللسان. برز هذا بصورة واضحة في أقطار المغرب، وخاصة في الجزائر حيث سعى الاستعمار الفرنسي إلى فرض لغته مكان العربية، وعمل جاهداً على إحياء اللهجات المحلية لتحل محل العربية الفصحى.

 وقد أوكل الاستعمار الإنجليزي لبعض أعوانه هذه المهمة في مصر، فكانت دعوة وليم ويلكوكس لاتخاذ العامية لغة للتأليف والتعليم، ولكونه مهندساً للري، فقد حاول هذا العميل تغليف دعوته تلك بثوب علمي. وقد أثار هذا الموضوع في محاضرة ألقاها في نادي الأزبكية سنة 1893م حيث كان السؤالُ: لِمَ لمْ توجد قوة الاختراع لدى المصريين إلى الآن؟ مدارَ تلك المحاضرة. وقد عزا ويلكوكس عدم وجود هذه القوة إلى العربية الفصحى! وتبع ويلكوكس هذا قاضٍ إنجليزي آخر هو سيلدون ولمور الذي نشر كتاباً عام 1901م أسماه العربية المحكية في مصر. وكان د. ولهلم سبيتا قد ألف كتاباً مماثلاً. وأيا كانت وسائل هؤلاء، فقد كان الهدف الذي يسعون إليه واحداً، وهو سلخ المسلمين عن دينهم وتراثهم المشرق. وللأسف فقد جاء من بعد هؤلاء المستعمرين المبشرين، بعضُ العرب في مصر والمغرب ولبنان، ممن يعدون أذيالاً للاستعمار، أو ممن خدعوا بهذه الدعوات المضللة. ثم اتخذ الهجوم على اللغة العربية الفصحى شكلاً آخر تمثل في الدعوة إلى نبذ الحروف العربية، واستبدال الحروف اللاتينية بها، كما فعل كمال أتاتورك عندما ألغى الخلافة سنة 1924م. وكان من دعاته د. دواد الحلبي الموصلي، وعبد العزيز فهمي، وغيرهما. وقد قوبلت هذه الدعوات وأمثالها بالاستنكار الشديد من كل الغيورين على هذه اللغة، فذهبت أدراج الرياح، ولم تصغ إليها سوى آذان حاقدة لا تأثير لها.

 يتضح من هذا العرض السريع لمحاربة اللغة العربية، أن الأهداف التي سعى الاستعمار لتحقيقها كانت دينية في المقام الأول، وكذلك عزل العرب وتفرقتهم كل في بيئته، ومن هنا نفهم استيقاظ الدعوات الإقليمية المنتنة –بوصف الرسول صلى الله عليه وسلم- من فرعونية، وآشورية، وبربرية، وفينقية..

  والآن نتساءل: هل لغتنا في أزمة؟ ولنترك الجواب للواقع اللغوي يترجم الحال.

 تبرز على الساحة اللغوية عندنا ثلاثة مستويات أو أنماط: فصحى التراث، وفصحى العصر، ثم تأتي اللهجات العامية –على اختلاف مستوياتها واستعمالاتها- قاسماً مشتركاً بين هذه المستويين. وبدايةً نؤكد أن العامية تستعمل لغة للتخاطب اليومي في البيت أو في الشارع، للإعراب عن الحاجات الملحة للإنسان، وهي بهذا الوضع كانت موجودة في القديم، ولا ضرر من هذا الوجود الطبيعي لها.

 فصحى التراث وفصحى العصر :

  أما ما درج الباحثون على تسميته بفصحى التراث، فالمقصود بها اللغة العربية التي احتفظت بخصائصها النطقية والتركيبية.. بحيث لم يدخلها –في مجملها- ما دخل العربية المعاصرة من ألفاظ وتراكيب وأساليب حديثة. والملاحظ على فصحى التراث أن استعمالها أصبح الآن قاصراً على الموضوعات الدينية والتاريخية، فلا نقرأها إلا في كتب التراث القديمة، وفي الموضوعات الدينية، ولا تسمعها إلا من خطباء المساجد، وعلماء الفقه، وذوي الثقافة التقليدية. وأما ما يسمى بفصحى العصر، فتمثله وسائل الإعلام على اختلافها. وهي لغة التأليف العلمي والأدبي في معظم كتابات كتّاب هذا العصر. وهي اللغة المسموعة من ألسنة المذيعين والصحفيين. وتمتاز هذه اللغة بتحررها مما في فصحى التراث، فإذا سمعنا قارئي الأخبار، سمعنا تسكيناً لأواخر الكلمات، ونطقاً مخالفاً في بعض الأصوات، وضياعاً لقواعد نظام العدد، وأسماء الأعلام، ثم تراكيب وألفاظاً ذات مسحة أجنبية بفعل الترجمة.

 والملاحظ أن هذين المستويين من اللغة – فصحى التراث وفصحى العصر - لا يفصل بينهما فاصل، أي أن إحداهما في أقصى اليمين، والأخرى في أقصى الشمال، ولعل مشكلة ضعف تلاميذنا وطلابنا تكمن في هذا الفصل الحاد. فالطالب يقرأ لغة مغايرة للغة كتب التراث القديمة، مما يولد لديه صعوبة في فهم ما في هذه الكتب وبالتالي كراهية لها، ونفوراً منها. ولعل ما يزيد المشكلة تعقيداً هو عدم التزام جل المدرسين والمثقفين باللغة الفصحى، سواء في المدرسة، أو في الجامعة، أو من خلال وسائل الاتصالات المختلفة، فلا نسمع إلا "دردشات" بالعامية بين مثقفينا، وإن حضرت مناقشة لرسالة للماجستير أو الدكتوراه في جامعاتنا فاللغة في المناقشة هي العامية! حتى لو كان موضوها في النحو العربي! ونتيجة هذا كله ضعف لدى الطلاب في لغتهم، وشكوى من صعوبتها، وبالتالي تحولهم عن دراستها.

  ونحن لا ننكر التطور الطبيعي للغات، فهذا دليل حيويتها ومرونتها، ولكن التطور لا يعني هذا التسيّب في ضياع الهوية للغتنا، ولا جنوحاً إلى التقليد الأعمى للأجنبي، لا لشيء سوى الولع بتقليد الغالب.

  لغتنا التي وسعت ألفاظ حضارات كثيرة لقادرةٌ على استيعاب كل جديد. وهي التي حملت الدين الإسلامي طيلة أربعة عشر قرناً، سوف تبقى قادرة على إعانة المسلمين على فهم دينهم، وتبصرتهم به.

 ولا يتأتى هذا إلا بدراستها على مستوييها قديماً وحديثاً دراسة شاملة من أبنائها المخلصين، ثم رصد هذه الدراسة، واستخلاص النتائج، لتذليل الصعاب، وبيان المشكل، من أجل التقريب بين المستويين تقريباً يمكن أي دارس من فهم القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، وتراثنا المشرق، وفي ذات الوقت يستوعب الحضارة الحديثة بعلومها وآدابها.

 آداب طالب العلم

الشيخ محمد صالح المنجد

لقد من الله عليَّ بطلب العلم، فما هي الآداب التي تنصحونني بالتحلي بها؟.

الجواب:

الحمد لله

إن لطلب العلم جملةً من الآداب ينبغي على من طلب العلم أن يتحلى بها فإليك هذه الوصايا والآداب في طريق الطلب لعل الله أن ينفعك بها:

أولاً: الصبر:

أيها الأخ الكريم.. إن طلب العلم من معالي الأمور، والعُلَى لا تُنال إلا على جسر من التعب. قال أبو تمام مخاطباً نفسه:

ذريني أنالُ ما لا يُنال من العُلى *** فصَعْبُ العلى في الصعب والسَّهْلُ في السَّهل

تريدين إدراك المعالي رخيـصة *** ولا بد دون الشهد من إبَر النحـــل (الشَّهد هو العسل )

وقال آخر:

دببت للمجد والساعون قد بلغوا *** جُهد النفوس وألقـوا دونـه الأُزرا

وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهُم *** وعانق المجد من أوفى ومن صبرا

لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تَلْعَقَ الصَـبِرَا (الصَبِر دواءٌ مُرٌّ)

فاصبر وصابر، فلئن كان الجهاد ساعةً من صبر، فصبر طالب العلم إلى نهاية العمر. قال الله – تعالى -: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200) } سورة آل عمران.

ثانياً: إخلاص العمل:

الزم الإخلاص في عملك، وليكن قصدك وجه الله والدار الآخرة، وإياك والرياء، وحب الظهور والاستعلاء على الأقران فقد قال رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ " رواه النسائي (2654) وحسنه الألباني في صحيح النسائي.

وبالجملة: عليك بطهارة الظاهر والباطن من كل كبيرة وصغيرة.

ثالثاً: العمل بالعلم:

اعلم بأن العمل بالعلم هو ثمرة العلم، فمن علم ولم يعمل فقد أشبه اليهود الذين مثلهم الله بأقبح مثلٍ في كتابه فقال: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5) } سورة الجمعة.

ومن عمل بلا علم فقد أشبه النصارى، وهم الضالون المذكورون في سورة الفاتحة.

وبالنسبة للكتب التي تدرسها فقد ذُكِرَت في السؤال رقم (20191) فليُراجع للأهمية.

رابعاً: دوام المراقبة:

عليك بالتحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائراً إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر، فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحِكَمِه سبحانه.

وأكثر من دعاء الله في كل سجود، أن يفتح عليك، وأن يرزقك علماً نافعاً، فإنك إن صدقت مع الله، وفقك وأعانك، وبلغك مبلغ العلماء الربانين.

خامساً: اغتنام الأوقات:

أيها اللبيب... " بادر شبابك، وأوقات عمرك بالتحصيل، ولا تغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من عمرك لا بدل لها ولا عوض عنها، واقطع ما تقدر عليه من العلائق الشاغلة، والعوائق المانعة عن تمام الطلب وابذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل ؛ فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل، والبعد عن الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق، وما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه، وكذلك يُقال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك.

سادساً: تحذير.

إياك أن تشتغل في بداية الطلب بالاختلاف بين العلماء، أو بين الناس مطلقاً، فإنه يحير الذهن، ويدهش العقل، وكذلك الحذر من المصنفات ؛ فإنه يضيع زمانك ويفرق ذهنك، بل أعطِ الكتاب الذي تقرؤه أو الفن الذي تأخذه كليتك حتى تُتقنه، واحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب ؛ فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح. وعليك أن تعتني من كل علم بالأهم فالأهم.

سابعاً: الضبط والإتقان:

احرص على تصحيح ما تريد حفظه تصحيحاً متقناً؛ إما على شيخ أو على غيره مما يعينك، ثم احفظه حفظاً محكماً ثم أكثر من تكراره وتعاهده في أوقات معينه يومياً، لئلا تنسى ما حفظته.

ثامناً: مطالعة الكتب:

بعد أن تحفظ المختصرات وتتقنها مع شرحها وتضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات، انتقل إلى بحث المبسوطات، مع المطالعة الدائمة، وتعليق ما يمر بك من الفوائد النفيسة، والمسائل الدقيقة، والفروع الغريبة، وحل المشكلات، والفروق بين أحكام المتشابهات، من جميع أنواع العلوم، ولا تستقل بفائدة تسمعها، أو قاعدة تضبطها، بل بادر إلى تعليقها وحفظها.

ولتكن همتك في طلب العلم عالية؛ فلا تكتفِ بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا تقنع من إرث الأنبياء - صلوات الله عليهم - بيسيره، ولا تؤخر تحصيل فائدة تمكنت منها ولا يشغلك الأمل والتسويف عنها؛ فإن للتأخير آفات، ولأنك إذا حصلتها في الزمن الحاضر؛ حصل في الزمن الثاني غيرها.

واغتنم وقت فراغك ونشاطك، وزمن عافيتك، وشرخ شبابك، ونباهة خاطرك، وقلة شواغلك، قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة.

وينبغي لك أن تعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنك؛ لأنها آلة التحصيل، ولا تجعل تحصيلها وكثرتها (بدون فائدة) حظك من العلم، وجمعها نصيبك من الفهم، بل عليك أن تستفيد منها بقدر استطاعتك.

تاسعاً: اختيار الصاحب:

احرص على اتخاذ صاحب صالح في حاله، كثير الاشتغال بالعلم، جيد الطبع، يعينك على تحصيل مقاصدك، ويساعدك على تكميل فوائدك، وينشطك على زيادة الطلب،ويخفف عنك الضجر والنصب، موثوقاً بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه، ويكون ناصحاً لله غير لاعبٍ ولا لاه." انظر تذكرة السامع لابن جماعة.

" وإياك وقرين السوء؛ فإن العرق دساس، والطبيعة نقالة، والطباع سراقة، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك فإنه المرض، والدفع أسهل من الرفع.

عاشراً وأخيراً: التأدب مع الشيخ:

بما أن العلم لا يؤخذ ابتداءً من الكتب، بل لابد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب، لتأمن من الزلل، فعليك إذاً بالأدب معه، فإن ذلك عنوان الفلاح والنجاح، والتحصيل والتوفيق. فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الأدب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال، والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنباً الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل، ولا تناديه باسمه مجرداً، أو مع لقبه بل قل: " يا شيخي، أو يا شيخنا ".

وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً.". انظر حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد.

نسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات، وأن يُرينا اليوم الذي تكون فيه عالماً من علماء المسلمين، مرجعاً في دين الله، إماماً من أئمة المتقين، آمين.. آمين.. وإلى لقاء قريب، والسلام.

المصدر:

موقع الإسلام سؤال وجواب

 شرح قصيدة يا من يدعي الفهم

 يقول راجي عفو ربه العلي ومؤمل لطفه الخفي والجلي : أبو محمد رضا بن أحمد الصمدي :
الحمد لله الذي أنعم على أوليائه بالفهم ، وأفاض عليهم صنوف العلم ، فجعلوا العلم والفهم عدتهم في العمل والسعي ، وأصلي واسلم على سيد السائرين في طريق الآخرين ، وقائد المشمرين فيس سبيل جنة الرضوان ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين : وبعد :
استمعت إلى قصيدة يا من يدعي الفهم بأداء الشيخ العفاسي ، فوقعت على معاني عميقة وألفاظ دقيقة ، فأحببت أن يعم النفع بها، خاصة لمن استمع إليها ممن قلت بضاعته في اللغة وأسرارها، فكان هذا الشرح المختصر الذي يزيح الستار عن جلي معانيها وبعض خفي مراميها ، ولم أطل الوقوف على عميق المعاني وأسرار المباني خشية الإملال وفرار من فرار الراغبين في الإقلال ، وأسأل الله تعالى صحة القصد وجميل النية ، وعظيم النفع لمن قرأ القصيدة وتدبرها وفهمها وعمل بما فيها .
 
أَلا مَنْ يَدَّعِيْ الفَهْمْ إِلَى كَمْ يَا أَخَا الوَهْمْ *** تُعَبِّيْ الذَّنْبَ وَالـَّذمّْ وُتُخْطِيْ الخَطَـأَ الجَمّْ

الشرح : ألا للتنبيه ...
من يدعي الفهم : أي الذكاء والحذق والقدرة على معالجة الأمور .
إلى كم يا أخا الوهم : استفهام إنكاري مَنْبَعُهُ الشفقة والحرص على النصح ، والمراد : إلى متى ذهولك عن الحقائق ، وانخداعك في نفسك . ونسب المنصوح للوهم وجعله أخا له تأكيدا على أنه غارق في الخدعة لاهٍ عن المكيدة .
تُعَبِّي : مِنْ عَبَّ الماء أي شربه أو تتابع في شربه ، وهو استعارة ، كأن إتيانه الذنب بعد الذنب سهل كشرب الماء ، أو أنه متتابع في ذنبه كتتابع الشارب للماء وهو مُستلذ لا يُنَغِّصُ عليه مُكدر ، أو يكون من عَبْوِ المتاع أي تَعْبِيَتُه أي جَمْعُه ، أي أنه سادر في وهمه يجمع المعاصي ، ذنبا بعد ذنب ، كأنه يجمع أمتعته في هذه الدنيا ظانا أنه بذلك سينال خلودا أو يحصّل أمانا ...
والذنب والذم مترادفان ، والمقصود بهما المعصية مطلقا ، سواء كانا حراما كبيرة أو صغيرة ، أو أن الذنب هو الحرام ، والذم هو المكروه .
وقوله : تخطي الخطأ الجم أي الكثير الوافر ، فلا يتقلل منه بل يكثر ويستكثر .
 
أَمَا بَانَ لَكَ العَيْبْ أَمَا أَنْذَرَكَ الشَّيْبْ *** وَمَا فِيْ نُصْحِهِ رَيْبْ وَلا سَمْعُكَ قَدْ صَمّْ

الشرح : أما ظهرت لك عيوب نفسك بعد ، أما رأيت في بياض شعرك نذيرا بقرب أجلك، أما كان فيه نصحا بدنو الموت وأنه لا ريب فيه ، وما إِخَالُ سمعك قد صُمّ حتى تَذْهَلَ عن كل هذه النُّذُر وتنسى كل هذه المواعظ .
 
أَمَا نَادَى بِكَ المَوْتْ أَمَا أَسْمَعَكَ الصَّوْتْ *** أَمَا تَخْشَى مِنَ الفَوْتْ فَتَحْتَاطَ وَتَهْتَــمّْ

الشرح : أما ناداك الموت في كل وقت ترى فيه إخوانك وخِلانك يموتون ، أما أَسْمَعَكَ صوتُ الوَعْظِ وَعْظَه ، أما تخشى من فوات الفُرَص ، وزوال العمر ، أما يجعلك هذا كله تحتاط لنفسك وتهتم لأمرك ؟؟؟
 
فَكَمْ تَسْدَرُ في السَّهْوْ وَتَخْتَالُ مِنَ الزَّهْـوْ *** وَتَنْصَبُّ إِلَى اللَّهْـوْ كَأَنَّ المَوْتَ مَا عَمّْ

الشرح : السَّدَر بفتحات ، مِن سَدِرَ كفَرِحَ يَسْدَر وهو الذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع ، والمقصود أنه يتعمد السهو والنسيان ولا يبالي هل قصّر أم لم يقصر .
والزَّهْو : على وزن العفو ، هو المنظر الحسن ، أي يعتريك الفخر ويظهر عليك الخيلاء من المنظر الحسن الذي تباري به غيرك وتنافس به سواك .
وقوله تنصبّ إلى اللهو : استعارة تفيد انكبابه على الملذات وجريانه إليها كجريان الماء وانصبابه من عل .
قوله : كأن الموت ما عم ، أي كأنه لم ير للموت أثرا بين الناس ، أو لم يبصر له نموذجا في قريب أو بعيد .
 
وَحَتَّـامَ تَجَافِيْـكْ وَإِبْطَاءُ تَلافِيْـكْ *** طِبَاعَاً جَمَّعْتْ فِيْكْ عُيُوْبَاً شَمْلُهَا انْضَمّْ

الشرح : حَتَّامَ ، مَنْحُوْتٌ مِن : حَتَّى مَتَى .. والتجافي البعد ، أو النفور ، والإبطاء في التلافي يعني التواني في تلافي العيب والنقص وإصلاح ما فسد وسد ما انخرم وبناء ما انهدم ، والمقصود التوبة والإنابة وإصلاح عيوب النفس وما أتت من الذنوب والمعاصي .
وقوله : طباعا جمعت فيك عيوبا شملها انضم ، بيان لأصل الداء ، وأنه الطبع ، وهو السبب في نشوء العيوب ، والحصيف من بادر إلى طبعه فهذبه بقانون الشرع ، فإن الطَّبْعَ يَغْلِبُ التَّطَبُّع ، ولكنه لا يغلب التَّشَرُّع أي التنسك والالتزام بآداب الشريعة ، فمن سَاسَ نفسه بالشرع انقادت له طباعه فانصلحت له عيوبه.، من تمادى في ترك طباعه ولم يبال بترويض قلبه وانصياعه تجمعت عليه النواقص واشتدت عليه العيوب وانضم بعضها إلى بعض حتى يصعب الإصلاح ويعسر التلافي وتضيع فرصة الإنابة والرجوع .
 
إَذَا أَسْخَطْتَ مَوْلاكْ فَمَا تَقْلَقُ مِنْ ذَاكْ *** وَإِنْ أَخْفَقْتَ مَسْعَاكْ تَلَظَّيْتَ مِنَ الهَـمّْ

الشرح : يصف مسلك الإنسان ، وأنه لا ينصف ربه من نفسه ، فإذا أسخط ربه ما قلق ولا خاف، ولا جزع ولا هلع ، ولكنه إن أخفق في أمر من أمور الدنيا وفشل في تجارة من تجاراتها ، وخسر شيئا من زينتها نزل عليه الهم وأصابه من صنوف الغم ما يجعله يتلظى كالنار ويغلي كالحميم وهذا دليل على خلو القلب من التقوى ومخافة ا لرحمن .
 
تُعَاصِيْ النَّاصِحَ البَرّْ وَتَعْتَاصُ وَتَـزْوَرّْ *** وَتَنْقَادُ لِمَنْ غَــرّْ وَمَنْ مَانَ وَمَنْ نَمّْ

الشرح : تُعَاصِي ، اي تعصيه المرة بعد المرة ، فالناصح البر هو الشفيق المخلص الذي يناصح المرة بعد المرة ، ولكنه يجد الصدود بعد الصدود ، وصاغه على المفاعلة لأن الناصح يعصيه بعدم كف النصح ، وذاك يعصيه بعدم الامتثال ، وتعتاص من اعتاص عليه الأمر أي اشتد ، والمقصود اشتداد أمر النصيحة عليه ، وتَزْوَرّ أي تهرَب وتَرُوغ .وتنقاد لمن غَرّ أي تتبع من يخدعك وتلين لمن يخذلك وتصدق من يكذبك ...
ومان أي كذب ، والنَّمُّ هو نقل الحديث إفسادا أو تزيينه بالكذب أو الإغراء بفعل الشيء وفيه ضرر .
 
وَتَسْعَى في هَوَى النَّفْسْ وَتَحْتَالُ عَلَى الفَلْسْ *** وَتَنْسَى ظُلْـمَةَ الرَّمْسْ وَلا تَذْكُــرُ مَا ثَمّْ

الشرح : تسعى في هوى النفس أي تمشي في رضاها ، وتبذل في مناها ، ولا تتجشم مخالفتها ولا تجرؤ على مناجزتها ...
وتحتال على الفلس : أي تناور بالحيل في نوال المال ، وتخادع بالمكائد في الحصول على المأمول .
وتنسى ظلمة الرَّمْس : أي تنسى القبر وظلمته ، واللحد ووحشته ... فالرمس على وزن الأمس هو القبر ...
ولا تذكر ما ثَمّ .. أي لا تحاول تذكر ما ينتظر هناك في القبر من أهوال وفظائع .. ثَمَّ : هناك .
 
وَلَوْ لاحَظَكَ الحَظّْ لََمَا طَاحَ بِكَ اللَّحْظْ *** وَلا كُنْتَ إِذَا الوَعْظْ جَلا الأَحْزَانَ تَغْتَمّْ

الشرح : الحظ هو النصيب والمقدور ، والمراد به هنا عناية الله تعالى ، وطاح أي أذهب وأفسد ، واللحظ هو النظر والمقصود به الالتفات إلى الدنيا عن الآخرة .. والمعنى : لو أدركتك عناية الله ونالك الحظ من توفيقه لما ذهبت بك الدنيا مذاهبها وأطاحت بك في أوديتها ولما كنت غليظ القلب إذا سمعت الوعظ والنصح اغتممت وحزنت مع أن الجدير أن يذهب الوعظُ بهمك ويُجْلِي النصحُ حزنَك لما فيه من خير لك في الدين والدنيا ، ولكنك غارق في شئون نفسك لاه عن نفعها في الحال والمآل .
 

سَتُذْرِيْ الدَّمَّ لا دَمْعْ إِذَا عَايَنْتَ لا جَمْعْ *** يَقِيْ فِيْ عَرْصَةِ الجَمْعْ وَلا خَالَ وَلا عَـمّْ

الشرح : تُذْرِيْ أي تُسْقِطُ ، والمعنى أنك ستبكي دما لا دمعا إذا عاينت وشاهدت في عرصات يوم القيامة حقائق الأمور وعلمت أنه لا جَمْعَ يحميك ولا عُصْبَة تَقِيْك ولا قبيلة تؤويك ، فلا خال ولا عم، ولا أب ولا أم ، ولا أخ ولا صديق ، بل ما ثَمَّ إلا عملك الذي قدمته بين يديك ...
 
كَأَنِّيْ بِكَ تَنْحَــطّْ إِلَى اللَّحْدِ وَتَنْغَـطْ *** وَقَدْ أَسْـلَمَكَ الرَّهْطْ إِلَى أَضْيَقَ مِنْ سَـمْ

الشرح : كأني بك : عبارة يراد بها تمثيل ما سيحدث في المآل ، وتنحط تسقط من عل ، وتنغط : تغطس في مكان عميق حتى يعلوك هذا المكان ، والمعنى أنك عند الموت سيضعونك في قبرك من مكانهم العالي فتنزل إلى مكان سافل منحط ، وتغطس وتنغط فيه كما يغطس الغاطس في الماء ، ويسلمك رهطك وأهلك إلى مكان حفرة ضيقة كأنها أصغر من سم أي ثقب صغير ... والسم الثقب ويقرأ فتح السين وبالضم والكسر أيضا .
 
هُنَاكَ الجِسْمُ مَمْدُوْدْ لِيَسْـتَأْكِلَهُ الدُّوْدْ *** إِلَى أَنْ يَنْخَرَ العُوْدْ وَيُمْسِيْ العَظْمُ قَدْ رَمّْ

الشرح : هناك أي في القبر الجسم ممدود معروض ليأكله الدود ، فلا يزال ينال الدود من الدم واللحم حتى يصل إلى العظم فينخر فيه حتى يصل إلى النخاع فيصير رميما ...
 
وَمِـنْ بَعْدُ فَلا بُدّْ مِنَ العَرْضِ إِذَا اعْتُدْ *** صِـرَاطٌ جِسْرُهُ مُدّْ عَلَى النَّارِ لِمَــنْ أَمّْ

الشرح : وبعد دخول القبر وبعث الأجساد لا بد من عرض الأعمال والحساب والميزان ، ثم المرور على الجسر الممدود على النار ، فيمر عليه كل الخلق فإما ناج أو مخدوش مسلم أو مطروح واقع هالك ... لمن أمّ : لمن قصد فَكَمْ مِنْ مُرْشِدٍ ضَلّْْ وَمِنْ ذِيْ عِــزَّةٍ ذَلّْْ *** وَكَمْ مِنْ عَـالِمٍ زَلّْ وَقَالَ : الخَطْبُ قَدْ طَمّْ

الشرح : كم للتكثير ، أي كم من مرشد في الدنيا إلى الخيرات ودال على الهدى ضل طريقه يوم القيامة ، وكم من عزيز علا مقامه وسمت منزلته ذل يوم القيامة وانحط ، وكم من عالم بصير زلت به قدمه على الصراط أو زل عمله عند العرض فعاين المصائب والعظائم وقال بلسان الحال والمقال : إن الخطب عظيم والأمر شديد . طم الخطب : عظم واشتدت ومنه قوله تعالى : ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) .
 
فَبَـادِرْ أَيُّهَا الغُمْرْ لِمَنْ يَحْلُوْ بِهِ المُـرّْ *** فَقَدْ كَادَ يَهِيْ العُمْرْ وَمَا أَقْلَعْتَ عَنْ ذَمّْ

الشرح : فبادر أيها المغتر بالدنيا ، ومن قصرت به خبرته وتجربته إلى ربك الذي يرزقك إيمانا تحلو به حياتك المرة ، وتنسى بقربه شقاء الدنيا ، فقد اقترب العمر من الفناء ودنى وقت الوفاء ومع ذلك لم تقلع عن الذنوب وما يجلب الذم والتقريع .
الغُمر بضم الغين وقد تفتح هو من لم يجرب الأمور .
من يحلو به المر : هو ما يعطيه الرب لعبده إذا عاين لذة الطاعة ، والمر هو شقاء الدنيا وعذابها .
ويهي العمر : يفنى وينقضي ويقل ويضعف ، مِنْ وَهَى الأمرُ أي ضَعُفَ .
 
وَلا تَرْكَنْ إِلَى الدَّهْرْ وَإِنْ لانَ وَإِنْ سَـرّْ *** فُتُلْفَى كَمَنْ اغْتَـرّْ بِأَفْعَى تَنْفُثُ السَّمّْ

الشرح : لا تركن إلى الزمان وتطمئن للخلود فيه ، وإن ضحكت لك الحوادث والخطوب ولانت لك الحياة وسرت بك الدنيا ، وإلا صرت كذاك المغرور الذي مضى عمره يجمع المال وما تزكّى حتى إذا غرق في غروره جاءه الموت في لذته وسروره وأدخل في قبر فتلقاه حية رقطاء تنفث السم وتتوعده بالعذاب وتتهدده بالويل والثبور .
والسم : هو ذاك القاتل المعروف ، وهو بفتح السين ، وقيل بضمها وكسرها .
 
وَخَفِّضْ مِنْ تَرَاقِيْكْ فَإِنَّ المَوْتَ لاقِيْكْ *** وَسَـارٍ فِيْ تَرَاقِيْكْ وَمَا يَنْكُـلُ إِنْ هَمّْ

الشرح : تَطَامَنْ في سيرك وسعيك ، ولا تمش في الأرض مرحا ، وسر في الأرض هونا ، ولا تكن من الذين يريدون رقيا وعلوا في الأرض وفسادا ، فإن الموت لا بد أن يلقاك في زمن من الأزمان، وقد يكون في زمان طلب الرقي والعلو ، فإذا ما جاءك سرى في جسدك حتى يبلغ بك التراقي ، جمع ترقوة بفتح التاء ( ولا تضم ) وتسكين الراء وضم القاف وفتح الواو هو العُظيم بين ثغرة النحر والعاتق ، يعني أن الموت إن جاء حل في أرجاء الجسد وما يتراجع إن بدأ في الحلول والنزول .
التراقي الأولى هي منازل الدنيا ومعالي درجاتها ، والثانية جميع ترقوة العظيم المذكور .
ما ينكل : ما يتراجع ، إن هم : إن بدأ وحَلَّ .
 
وَجَانِبْ صَعَرَ الخَدّْ إِذَا سَاعَدَكَ الجَدّْ *** وَزُمَّ اللَّفْظَ إِنْ نَدّْ فَمَا أَسْعَدَ مَنْ زَمّْ

الشرح : صَعَر الخَدّ هو لَيُّ الصَّفْحِ والإِعْرَاضُ بالكَشْحِ وثَنْيُ العِطْف معان مترادفة ، والمقصود أن يلوي وجهه تكبرا واختيالا على من افتقر وقل متاعه من الناس ، يقول : لا تتكبر ولا تختل إذا ساعدتك المقادير فكنت غنيا قادرا واسعا ، بل الزم جناب التذلل للمساكين ، وحافظ على كلماتك أن تند وتنفلت ، فإن أسعد الناس من ملك لسانه .
ساعدك الجد : ساعدك الحظ والقدر في نوال الغنم والغنى .
زُمَّ : من الزمام ، أي كن قائدا حافظا للسانك .
إنْ نَدَّ : إن شرد وتمرد ، من ند البعير إذا شرد .
ما أسعد من زَمّ : أسلوب مدح ..
 
وَنَفِّسْ عَنْ أَخِيْ البَثّْ وَصَدِّقْهُ إِذَا نَثَّ *** وَرُمَّ العَمَــلَ الرَّثّْ فَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ رَمّْ

الشرح : ونفس الكرب وفرج الهم عمن يبث إليك همه وغمه وكربه ، وصدق أخاك إذا بث إليك خبره ولا تتهرب منه أو تلح عليه في استيثاق صدقه .
وكمل العمل الناقص وزينه بجميل الخصال فإن فلاح الإنسان بجمال الأعمال وكمال الأفعال.
نَفِّس : فَرِّج ..
أخو البث : أخوك الذي يبث إليك همومه .
صدقه إذا نَثَّ : اقْبَلْ خبره إذا بثه إليك .
ورُمَّ : أكمل وجمل .
العمل الرَّثّ : الناقص البالي الذي لا زينه فيه ، منه الثوب الرث .
 
وَرِشْ مَنْ رِيْشُهُ انْحَصّْ بِمَا عَمَّ وَمَا خَـصّْ *** وَلاتَأْسَ عَلَى النَّقْـصْ وَلاتَحْرِصْ عَلَى اللَّمّْ

الشرح : رِشْ : أمر ، من الرياش أو اللباس ، أي أَلْبِسْ ، ومَن ريشه انحص أي من افتقر وساء حاله ، وريشُه انحص يعني حُلق شعره كناية عن عدم وجود ما يستره . والحَصّ حلْق الشعر ، وانحص شعره أو ريشه : انحلق .
بما عم وما خص أي بكل ما تستطيع من عون ومساعدة ، سواء من مالك وعونك الخاص أو بما تستدعيه من مساعدة عموم الناس .
ولا تأس على الفقر والمسكنة ، ولا تحزن من قلة المتاع في الدنيا ، ولا تكن حريصا على جمع حطامها ولم فتاتها فهي لم تخلق للخلود ولا للجمع واللم .
 
وَعَادِ الخُلُقَ الرَّذْلْ وَعَوِّدْ كَفَّكَ البَذْلْ *** وَلا تَسْتَمِعِ العَذْلْ وَنَزِّهْهَا عَنِ الضَّمّْ

الشرح : كن عدوا للأخلاق الرذيلة ، وتعود الكرم والبذل ، ولا تسمع لمن يلومك في الكرم وطِيب الأَرْيَحِيَّة وكثرة البذل ، ونَزِّهْ نفسك عن الشح وكن بعيدا عن صفة البخلاء وهي ضم اليد إلى العنق كما قال تعالى : ( ولا تجعل يدك مضمومة إلى عنقك ولاتبسطها كل البسط ) ...
 
وَزَوِّدْ نَفْسَكَ الخَيْرْ وَدَعْ مَا يَعْقُبُ الضَّيْرْ *** وَهَيِّءْ مَرْكَبَ السَّيْرْ وَخَفْ مِنْ لُجَّةِ اليَّمّْ

الشرح : زود نفسك ما يجعلها صاحبة غنيمة في الآخرة ، وذلك بالإكثار من الطاعات وفعل الطيبات ، واترك ودع ما يئول بك إلى عاقبة الضرر والخسران ، وهيء مركبا قويا لسيرك في طريق الآخرية ، واخش من اللُّجَج والأمواج العالية وهي الفتن من شهوات وشبهات فإنها تذهب بالأعمال
الطيبات والباقيات الصالحات .
 
بِذَا أُوْصِيْكَ يَاصَاحْ وَقَدْ بُحْتُ كَمَنْ بَاحَ *** فَطُوْبَى لِفَـتَىً رَاحْ بِآدَابِــــيَ يَأْتَمّْ

الشرح : بما سبق من وصايا أنصحك يا صاحبي ، وقد بحت لك بالنصح الشفيق كما باح لك عدوك بالإغراء الذميم ، فالفلاح والنجاح للفتى الذي يأخذ بنصحي الشفيق وآدابي ووصايا ويقصدها حفظا وفهما ودعوة ... وراح : يراح راحة أخذته للمعروف خفة وأريحية ...

كتبه أبو محمد رضا أحمد صمدي
صبيحة الثلاثاء الخامس من ذي الحجة 1424هـ